الاربعاء, 29 اكتوبر, 2008
هناك خلف أعمدة الدخان البرتقالي ... على خارطة الرصيف ألقي بجسدي المبعثر بالتفاصيل الصغيرة، كأني أحاول سماع نبض الأرض، أحلم في استرخاء بأماني بسيطة ، تجري كالوقت في ردهات عقلي المغسول برائحة الماء, وتتكدس في جمجمتي نشوة عارمة , تتناثر من بينها ألوان الطبيعة قبل أن تختنق في غرفة زجاجية دون أن أشعر بها.
ثم أنام لأحلم بهطول فجر جديد.
إن الناس حولي كالذباب يتسكعون على تراب خارطتي . أصواتهم البشعة تصطدم بجدران الخطيئة لتنعكس على أذني فتصمها, لكني مازلت أحلم بدوي فجر جديد إنهم يتسكعون بأجساد بالية , وعقول فارغة لا تصل إليها الريح العقيم , لتتعاقب صرخاتها التي لا تقل عن أصواتهم فضاعة . إنهم يعكرون صفو صمتي بحجر البشاعة. يبيعون وحدتي في سوق العبيد, أحس بهم على جبين الصبح . أعرف خطواتهم رغم ثقلها لقد اعتدت عليها, ربما استيقنت يوما بسفر أحدهم أو موته , لأني لم أعد أسمع صوته بين الضجيج .
حين تشق طلائع النور جمهرة الظلام استقبله بسعال مخنوق. أنفض ثوبي الملطخ بغبار الزمن ثم أحمل حذائي العتيق الذي استعار مع تساقط الأيام عليه جلد الحرباء، وقد امتلأ بذرات التراب, أحمله بين ذراعي لأنه لم يعد يستوعب تضخم قدميّ اللتين أدماهما طول المسير في الأزقة الضيقة كعنق الزجاجة . ألملم قصائد الحلم التي نظمتها بالأمس لتنير لي طريق اليوم.
الناس مازالوا حولي هم الناس لا أحتمل رؤيتهم، إنهم يقتلون رغبتي في العيش, أحاول أن أغمض عيني وأذهب لأبحث عن بقايا خبز يابسة أسكت بها الجوع الجائر, أسير كالخيل الهرمة المريضة، وهم خلفي يقذفون القنابل الترابية على ما يستقبلها من جسدي، ويرددون أنشودتهم الوقحة, سرت بسرعة أكثر، كنت أسقط على الأرض تتسخ يدي المبتلة وهم يضحكون من منظري, لقد حملتني الريح حتى أوصلتني إلى جبل يعصمني من قسوتهم, جلست بين صخرتين أستند برأسي على إحداهما , أخذت في البكاء هل تصدقون لقد بكيت؟ شكوت للصخرة بجمل مؤرقة عن حالتي وعن البشر حتى شعرت بحرارة الصخرة في رأسي.
يا لهذا الزمن المتراكم بالبؤس ! وكل هذا الفيض من الأسى، أرقب عمري يولي، هاهي الدنيا تلقيني وحدي في كف خشنة تعبث بي، أحاور صمتي بعد أن عصف بي الذهول المر وشردني الأسى وأنا في حالة سفر بين الجرح والخوف.
مسكينة تلك النفس التي أحملها, لا بد أن أترك عالم الصمت المفعم بالتراب وكسرة الخبز التي لا تتبدل وأشق غبار الأرض مقلعا بكل شقائي, لقد ذابت كرامة العالم وكأني بها تلامس موضع قدميّ يتسرب منهما الألم.
تلفت وألقيت نظرة على المدينة من أعلى الجبل , لأشاهد المعالم المنتنة , والجماجم المتهشمة , والراقصين في الفساد وعلى أجسادهم أشرعة يحركها الضياع, الدخان الأسود يغشى وجوههم , وينخر في بقايا هياكلهم.
نعم سيدي القاضي، نعم حضرات المجانين أنا من قتل هذا العالم المجنون بكل ما فيه من آثام ورذيلة وقسوة وثراء حتى أستطيع أن ألقي بجسدي على ذاك الرصيف وأحلم بتلك الأماني البسيطة.
أضف تعليقا
أضف تعليقا <<الصفحة الرئيسية
من المملكة العربية السعودية
مبدع دائماً يا أبا محمد
فقد جمعت الفكر النظيف والأدب الراقي
مع الشخصية الطيبة ومكارم الأخلاق
سر إلى الأمام دائماً وفقك الله
أخوك
سلطان الشدادي